أحمد بن محمود السيواسي

57

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

الوزر العظيم ، قيل : يجب على العالم أن يعمل بما علم وعلى الجاهل أن يطلب العلم ليعمل « 1 » ، أي ومن اليهود الذين هم أهل الكتاب أميون ، أي لا يحسنون قراءة الكتاب ، جمع أمي ، منسوب إلى الأم ، كأنه باق على أصل خلقته لا يكتب ولا يقرأ ، قوله ( لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ ) بيان للأميين أي لا يقرون الكتب ولا يعرفون معناها ، قوله ( إِلَّا أَمانِيَّ ) بتشديد الياء ونصبها « 2 » استثناء منقطع ، لأنها ليست من جنس الكتب ، جمع أمنية من التمني ، أي لكن الشهوات الباطلة ثابتة عندهم وهي المفتريات والمختلقات تخرصا من تغيير صفة محمد عليه السّلام وإنهم لا يعذبون في النار إلا أياما معدودات ، وإن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم ، وإن اللّه لا يؤاخذهم بخطاياهم ويرحمهم ولا حجة في صحة ذلك ( وَإِنْ هُمْ ) أي ما هم ( إِلَّا يَظُنُّونَ ) [ 78 ] ظنا من غير تيقن بها . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 79 ] فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ( 79 ) ( فَوَيْلٌ ) أي عقوبة عظيمة رفع بالابتداء خبره ما بعده ، قيل : هو كلمة الدعاء على النفس بالعذاب « 3 » ، وقيل : اسم واد في جهنم لو سيرت الجبال فيه لذابت من حره « 4 » وهو ( لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ ) المحرف وهم رؤساء اليهود الذين محوا نعت النبي عليه السّلام وكتبوا غيره ( بِأَيْدِيهِمْ ) تأكيد ( ثُمَّ يَقُولُونَ ) لعوامهم ( هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) في التورية ( لِيَشْتَرُوا بِهِ ) أي بالمحرف ( ثَمَناً قَلِيلًا ) أي عرضا يسيرا من حطام الدنيا ( فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ ) أي العقوبة العظيمة ثابتة لهم من أجل كتابتهم إياه ( وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ) [ 79 ] أي من أخذهم الرشوة وعملهم المعاصي . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 80 ] وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 80 ) ( وَقالُوا ) زعما منهم ( لَنْ تَمَسَّنَا ) أي لا تصل « 5 » إلينا ( النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً ) أي أربعين يوما وهي مدة ما عبد آباؤهم العجل ثم يزول عنا العذاب فأكذبهم اللّه تعالى فقال ( قُلْ ) يا محمد ( أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً ) موثقا بأنكم لا تعذبون أو أقلتم لا إله إلا اللّه فنجوتم من العذاب ، قوله ( فَلَنْ ) جواب شرط محذوف ، أي إذا اتخذتم عند اللّه عهدا فلن ( يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ) الذي عهده إليكم ، يعني ينجز وعده البتة ، و « أم » في قوله ( أَمْ تَقُولُونَ ) معادلة بالهمزة بمعنى أي الأمرين المتساويين واقع لتحقق العلم بأحدهما ، يعني اتخذتم ذلك العهد أم تزعمون ( عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) [ 80 ] حقيقته ، روي عن النبي عليه السّلام : « أنهم إذا مضت تلك المدة عليهم في النار يقول لهم خزنة جهنم : يا أعداء اللّه ذهب الأجل وبقي الأبد فأيقنوا بالخلود » « 6 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 81 ] بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 81 ) قوله ( بَلى ) إثبات لما بعد النفي ، ورد لقولهم « لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ » ، أي بلى تمسكم النار وتخلدون فيها وبين ذلك بعده بالشرط والجزاء ، وهما ( مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً ) هي الشرك ( وَأَحاطَتْ بِهِ ) أي أحدقته من كل جانب ( خَطِيئَتُهُ ) وقرئ « خطاياه » « 7 » ، أي كبائره ويموت مصرا عليها من غير توبة ( فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) [ 81 ] أي لا يخرجون منها أبدا ولا يموتون لئلا يعذبوا .

--> ( 1 ) لعله اختصره من الكشاف ، 1 / 77 . ( 2 ) « إلا أماني » : قرأ أبو جعفر بتخفيف الياء مفتوحة وصلا وساكنة وصلا ، والباقون بتشديدها . البدور الزاهرة ، 35 . ( 3 ) أخذه عن البغوي ، 1 / 110 . ( 4 ) عن سعيد بن المسيب ، انظر البغوي ، 1 / 110 . ( 5 ) تصل ، ب س : يصل ، م . ( 6 ) انظر السمرقندي ، 1 / 133 . ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث المعتبرة . ( 7 ) « خطيئته » : قرأ المدنيان بزيادة ألف بعد الهمزة علي الجمع ، والباقون بحذف الألف علي الافراد ، ولورش فيه ثلالثة البدل ، ولحمزة إن وقف عليه وجه واحد ، وهو إبدال الهمزة ياء وإدغام الياء قبلها فيها وليس له إلا هذا الوجه ، لأن الياء فيه زائدة . البدور الزاهرة ، 35 .